ابن أبي العز الحنفي

238

شرح العقيدة الطحاوية

قال عمر رضي اللّه عنه - لما خرجوا يستسقون - : اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل أليك بنبينا فتسقينا ، وانا نتوسل أليك بعم نبينا . معناه بدعائه هو ربه وشفاعته وسؤاله ، ليس المراد أنا نقسم عليك [ به ] ، أو نسألك بجاهه عندك ، إذ لو كان ذلك مرادا لكان جاه النبي صلى اللّه عليه وسلّم أعظم وأعظم من جاه العباس . وتارة يقول : باتباعي لرسولك ومحبتي له وإيماني به وسائر أنبيائك ورسلك وتصديقي لهم ، ونحو ذلك . فهذا من أحسن ما يكون في الدعاء والتوسل والاستشفاع . فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال ، غلط بسببه « 215 » من لم يفهم معناه : فإن أريد به التسبب به لكونه داعيا وشافعا ، وهذا في حياته يكون ، أو لكون الداعي محبا له ، مطيعا لأمره ، مقتديا به ، وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء ، فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته ، وإما بمحبة السائل واتباعه ، أو يراد به الاقسام به والتوسل بذاته ، فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه . وكذلك السؤال بالشيء ، قد يراد به التسبب به ، لكونه سببا في حصول المطلوب ، وقد يراد [ به ] الإقسام به . ومن الأول : حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار ، وهو حديث مشهور في « الصحيحين » وغيرهما ، فإن الصخرة انطبقت عليهم ، فتوسلوا إلى اللّه بذكر أعمالهم الصالحة الخالصة ، وكل واحد منهم يقول : فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه ، فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون « 216 » . فهؤلاء دعوا اللّه بصالح الأعمال ، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى اللّه ، ويتوجه به إليه ، ويسأله به ، لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله . فالحاصل أن الشفاعة عند اللّه [ ليست ] كالشفاعة عند البشر ، فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شفعة في الطلب ، بمعنى أنه صار شفعا فيه بعد أن كان

--> ( 215 ) في الأصل : بتسببه . ( 216 ) متفق عليه من حديث ابن عمر .